أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
144
نثر الدر في المحاضرات
بعيدة ويباعدها وهي قريبة ، ولا إلى أحمق ؛ فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ؛ ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة ؛ فإنّه يجعل حاجتك وقاية لحاجته وقالوا : لا تصرف حاجتك إلى من معيشته من رؤوس المكاييل وألسنة الموازين . وكان يقال : إيّاك وصدر المجلس وإن صدرك صاحبه ، فإنّه مجلس قلعة « 1 » . قالوا : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع . قال بعضهم : سرّك دمك ، فلا تجرينّه في غير أوداجك . كان يقال : إيّاك وعزّة الغضب ؛ فإنّها تصيرك إلى ذلّة الاعتذار . قال بعضهم : إذا أرسلت لتأتي ببعر فلا تأت بتمر ، فيؤكل تمرك ، وتعنّف على خلافك . قالوا : إذا وقع في يدك يوم السّرور فلا تخله ، فإنّك إذا وقعت في يد يوم الغم لم يخلك . قال آخر : احفظ شيئك ممّن لا تنشده ، أي ممّن تستحي أن تسأله عنه ، ومثله لابن المقفّع : احذر من تأمن فإنّك ممّن تخاف على حذر . قالوا : إذا أردت أن تؤاخي رجلا فانظر من عدوّه . وإذا أردت أن تعادي رجلا فانظر من وليّه . قيل : إذا قلدت أحدا مهما فعجّل له منفعة ، وأجمل له في العدة ، وابسط له في المنية . قال بعضهم : الانقباض من النّاس مكسبة للعداوة ، والانبساط مجلبة لقرين السّوء ، فكن بين المنقبض والمسترسل ؛ فإن خير الأمور أوساطها . كان يقال : اجعل عمرك كنفقة دفعت إليك ، فأنت لا تحبّ أن يذهب ما تنفق ضياعا ، فلا تذهب عمرك ضياعا .
--> ( 1 ) يقال : منزلنا منزل قلعة : أي ليس بمستوطن أو معناه لا نملكه ، أو لا ندري متى نتحول عنه ، ومجلس قلعة : يحتاج صاحبه إلى أن يقوم مرة بعد مرة ، والدنيا دار قلعة : أي انقلاع .